أعلان الهيدر

الثلاثاء، 2 فبراير 2021

الرئيسية أدب الرحلة إلى الديار الحجازية المقدسة: (ضفاف من نور) لمحمد نصار أنموذجاً

أدب الرحلة إلى الديار الحجازية المقدسة: (ضفاف من نور) لمحمد نصار أنموذجاً

 


[خاص بموقع منبر أدباء بلاد الشام ـ الدراسة تنشر لأول مرة]

----------------------------------------------------------

أدب الرحلة إلى الديار الحجازية المقدسة:

(ضفاف من نور) لمحمد نصار أنموذجاً

بقلم : د. عبد الرحيم حمدان

يعد أدب الرحلة إلى الديار الحجازية المقدسة: مكة المكرمة، والمدينة المنورة؛ لأداء مناسك الحج وشعائره لوناً أدبياً خاصاً من ألوان أدب الرحلات في النثر العربي، وهو رافد نوعي مهم من روافد الأدب العربي، له سماته وقواعده الخاصة التي تميزه عن غيره من الفنون الأدبية مثل: الرواية والقصة والسيرة الذاتية.

وأدب الرحلة إلى الديار الحجازية هو الأدب الذي يهتم بوصف رحلات المسلمين إلى مكة والمدينة، ووصف شعائر الحج وأشواق الحجاج إلى المقامات المقدسة وقد ازدهر هذا النوع من النصوص في تاريخ الأدب العربي ازدهاراً كبيراً، وانتشر انتشاراً واسعاً، إذ كانت الرحلة دافعاً للأدباء إلى تصوير أشواقهم الوجدانية، وعواطفهم الدينية، وتصوير معاناتهم في هذه الرحلة، فقد عرف مثل هذا اللون الأصيل في الأدب العربي منذ وقت مبكر حتى زماننا هذا.

ومعلوم أن كل أديب له أسلوبه ومنهجه الذي يميزه من بين أقرانه، وذلك لاختلاف طبيعة الكاتب وثقافته وبيئته ومجتمعه.

ففي القرن السادس الهجري دوَّن الرحالة الأندلسي ابن جبير (578ه) مشاهداته في رحلته إلى الديار الحجازية، وسجَّل الرحالة ابن بطوطة(725ه) ما شاهده في رحلته إلى الحج، وتلاهما الرحالة المصري البتنوني(1337ه) الذي وثَّق مشاهد الحج وشعائره، وما اكتنف رحلته من تفاصيل.

    وفي العصر الحديث ظهر الحج في أعمال أدباء عرب بارزين دوَّنوا رحلاتهم إلى الحج، وظهرت كتابات عربية جمعت بين وصف الرحلات والكتابات الأدبية الوجدانية،  ومنهم الكاتب محمد حسين هيكل الذي دوَّن رحلته إلى الديار الحجازية تحت عنوان: “في منزل الوحي”، ورحلة الأديب علي الطنطاوي “من نفحات الحرم”، ورحلة الأديب عائشة بنت الشاطئ “أرض المعجزات”، و"رحلة الحجاز" للأديب إبراهيم عبد القادر المازني، ورحلة الكاتب يوسف إدريس إسلام بلا ضفاف “ وغيرهم كثر.

ولم يكن كتاب فلسطين بعيدين عن تدوين رحلاتهم إلى الحج، إذ شارك الكاتب محمد عزة دروزة في توثيق رحلته إلى الديار المقدسة تحت عنوان: "الرحلة الفلسطينية إلى الديار الحجازية" (1355ه).

التعريف بكتاب(ضفاف من نور):

وفي كتاب (ضفاف من نور) دوَّن الأديب محمد نصار([1]) رحلته إلى الديار الحجازية، وقد صدر هذا الكتاب بغزة سنة 2006، وكان من الحجم المتوسط، تكون من (66) صفحة، قُسّم إلى ثمانية فصول مرقمة، وكتب تحت العنوان لفظة (نص).

    ويعد هذا الكتاب من بين الكتب التي توثق لرحلة الأدباء الفلسطينيين المتأخرين بغزة نحو الديار الحجازية، وجاء هذا الكتاب مثرياً لمكتبة أدب الرحلات.

  وينفتح عنوان الكتاب (ضفاف من نور) على دلالات متعددة: فالديار المقدسة توصف بالديار النورانية؛ لما فيها من الإشعاع الروحي، والأماكن المقدسة كلها نور على نور، فنور المدينة المنورة يخترق أجواء الرحلة، فتتنور قلوب الحجاج، وأحداث السيرة النبوية كانت سببا في إشراق نور الإسلام في القلوب،  والرحلة كلها نور،  ومواقف الحجاج وما فيها من خشوع وتبتل وعبادة، ورهبة وسكينة كلها من ضفاف النور، والفرحة والسعادة الغامرة بالعودة إلى أرض الوطن بعد أداء فريضة الحج من ضفاف النور .

أما دلالة لفظ (نص) الذي كتب تحت العنوان الرئيس، فينفتح على دلالات رحبة، إذ إن ما ورد في الكتاب لا يعدو كونه تشكيلاً لنص ذاتي شخصي، ولفظ (نص) ينسجم مع أدب الرحلة؛ بوصف الرحلة نصاً مفتوحاً على خطابات متعددة، يعبر فيه الأديب عن مشاهدات وأحداث حقيقية، عاينها بأم عينه، وعاشها بجوارحه، فهي تجربة حقيقية معيشة؛ وعليه، فالرحلة ” نص مفتوح لا يمكنه أن يتسيج في خانة محددة، تجنسه بصفة معينة، تضيّق من تحرره واتساعه وانتشاره…، ولهذا فإن القول بنصيتها هو انفتاح على دينامية الرحلة، وعلى خطاباتها المستندة على طرفي الذات والآخر، وجسور التعبيرات المختلفة حولها([2])  .

ومن هنا، فإن الكاتب ما دام قد صاغ ما شاهده وعايشه بأسلوب أدبي؛ فإنه يندرج تحت مفهوم النص الأدبي، وهو فضلاً عن ذلك يمتلك مقومات العمل الأدبي الأساسية من سرد ووصف وحوار، وحوادث. وأنه يستحق الدراسة والتحليل في إطار النصوص الأدبية.

المسار العام للرحلة:

    معلوم أن الرحلة إلى الديار الحجازية هي التي تصور مجموعة من المراحل، يحدث بينها التنقل والسفر، وتتولد فيها، مختلف المصاعب والمشكلات التي تصادف الراحلين عادة، وتنطلق من غزة إلى الحجاز ذهاباً، ومن الحجاز إلى غزة إياباً.

   وقد انطلق ركب الحجاج في هذه الرحلة سنة ٢٠٠4 ميلادية من بلدة بيت حانون([3]) نحو مدينة غزة، حيث يتجمع حجاج قطاع غزة كافة في مكان واحد هو مسجد الكتيبة في وسط مدينة غزة، ثم انطلقت الحافلات؛ لتعود أدراجها ثانية إلى معبر بيت حانون (إيرز)، لتتجه جنوباً عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة نحو معبر رفح لدخول الأراضي المصرية، ثم إلى مطار العريش؛ لتقلهم الطائرات إلى المدينة المنورة بالسعودية، ذلك إذ إن كثيراً من أبناء فلسطين في قطاع غزة هم شديدو الحرص على أداء فريضة الحج، إلا أن ظروف الاحتلال قد تحول دون أداء هذه الفريضة، فلا يجدون إلى ذلك سبيلاً سوى الصبر والمصابرة، وحمل مشاعر الشوق والحنين، إلى تلك المناسك والتعلق الروحي بها.

    وقد تحدث الكاتب في رحلته عن مدى معاناة حجاج قطاع غزة في ظل الاحتلال الصهيوني من بداية رحلتهم إلى عودتهم إلى أرض وطنهم، وجسَّد ما كابدوه من متاعب وأشواق، وما انتابهم من مشاعر القلق والتوتر والخوف والهلع.

   وقد عبر الكاتب عن مشاعر القلق والتوتر، وما ذاقه الحجاج من مهانة وذل على أيدي المحتلين، وأبرز ما اعتراهم من توجس من الاعتقال لمن هو دون الأربعين، فضلاً عن عناء السفر، وصعوبة الحياة، والانتظار الطويل في الحافلات أمام الحواجز العسكرية الصهيونية لا سيما الشيوخ والنساء وكبار السن؛ الأمر الذي دفع بعضهم إلى الاعتقاد بصحة ما ذهب إليه بعض فقهاء الأندلس، ومنهم الفقيه أبو الوليد ابن رشد الجَدّ (ت 520هـ( ([4]) الذي أفتى بالبقاء في أرض الوطن بدلاً من الذهاب إلى الحج، وفضَّل فريضة الجهاد على الحج؛ ذلك أنَّ ثمة تشابهاً وتماثلاً بين واقع أهل الأندلس الذين كانوا يئنون تحت وطأة حملات أهل البلاد الأصليين، وبين ظروف الفلسطينيين تحت نير الاحتلال الصهيوني البغيض، يصف الكاتب تلك المعاناة والمصاعب التي واجهت الحجاج من بداية الرحلة، فيقول :

"كان من المقرر أن يتجمع الناس عصر ذلك اليوم في سوق البلدة ومن هناك تتحرك الحافلات باتجاه معبر بيت حانون (إيرز) المحاذي لناحيتها الشمالية، ثم تنطلق بهم في الاتجاه المعاكس، قاصدة معبر رفح الحدودي، فتتجلى فصول مهزلة من مهازل الدهر التي تعترينا في كل لحظة وفي كل حين، ولا يلقي لها الناس بالاً، و إلا ما معنى أن يسافر الحاج من مدينة رفح الملاصقة للمعبر المصري تماماً، ويقطع مسافة خمسين كيلو متراً، ثم يعود مرتداً إلى النقطة ذاتها، لكي يسمح له بالمرور إلى مصر، ومنها إلى العربية السعودية" (ضفاف من نور ص: 2).

     واستمرت تلك المعاناة إلى وقت عودة الحجاج إلى وطنهم، إلى الدرجة التي وصل فيها الأمر بأحد حجاج قطاع غزة العائدين إلى أن يقسم ألا يعيدها (قاصداً الحج) مرة أخرى (ينظر: ضفاف من نور ص: 64).

      يقول المؤلف عن صور الأذى والمعاناة التي تعرض لها الحجاج الأرض المحتلة في غزة: "وحين سُمح لنا بالدخول اضطررنا للمرور من تحت فوهة دبابة إسرائيلية كأنما تعمد سائقها إيقافها في ذلك المكان نكاية بنا"( ضفاف من نور، ص: 64 ).

     ومن ألوان المصاعب والمشكلات التي صادفت الراحلين في أثناء عودتهم إلى بلادهم؛ الحواجزُ العسكريةُ الصهيونيةُ التي كانت تمثل المرارة والألم والإهانة للسكان كافة، ومنها حاجز أبو هولي البغيض([5])، يقول الكاتب: "حين اقتربنا من حاجز أبو هولي كان الزحام على أشده، سيل من العربات بشتى أنواعها وأصنافها مصطفة في سلاسل طويلة كأنها في هذا المكان منذ أمد بعيد، فعاودتني قصص من أمضوا لياليَ طويلةً محشورين في هذا المكان اللعين، منهم الطلبة والموظفون.. المرضى والمسافرون، شعور من العجز انتابني، وقد حسمت أمري على المبيت في هذا المكان"( ضفاف من نور، ص: 65).

      ويبدو أن الطبيعة قد تعاونت مع جنود الاحتلال الصهيوني في تعميق معاناة الحجاج وزيادة آلامهم وقت السفر، فقد وصف الكاتب غضبة الطبيعة، وما أرسلته من مطر غزير، وبرد شديد، ورياح عاصفة في أول يوم من أيام الرحلة، يقول المؤلف في مفتتح رحلته:

 "كان يوماً عاصفاً مشحوناً بكل ما في الكون من دواعي القلق والتوتر، فمنذ الفجر والسماء تلقي بوابل لا يتوقف، والريح تعصف بالخلق كأنها تقتص منهم لذنب ما، بينما زئير الدبابات الآتي من أطراف البلدة القريبة يصم الآذان، ويثير الخوف في النفوس، ثم يأتيك بين الحين والآخر من يحمل نذر شؤم، فيعلن عن تقدم الدبابات على محور من المحاور"( ضفاف من نور، ص: 2).

   وفي الإمكان دراسة هذه الرحلة من جانبين: أحدهما: الجانب المضموني، إذ احتوت الرحلة على لمحات دينية وتاريخية واجتماعية، والآخر الجانب الفني، وهو يكشف عن توظيف الكاتب للوسائل التعبيرية التي استعان بها في نقل تجربته في هذه الرحلة من سرد ووصف وحوار وغيرها.

أولاً- الملمح المضموني:

 احتوت الرحلة على المضامين والملامح العامة للرحلة، وهي تتضمن لمحات وجدانية عاطفية ولمحات تاريخية ولمحات اجتماعية.

أ‌-   الملامح الوجدانية والعاطفية:

لا يخفى على أحد أن جوهر رحلة الكاتب تقوم على أساس أداء فريضة الحج، ولذا فإن الدافع الديني كان جلياً في وصفه للأماكن الدينية، وشعائر الفريضة، ويبقى الحج هو المظهر الديني الأول الذي أجاد الكاتب في رسم شعائره وطقوسه ومعاهده.

    يمثل الحج رحلة مشحونة بالعواطف والأحاسيس، والوجدانات والتأملات، فرحلة الحج بحق كما وصفها الكاتب رحلة روحية وسياحة عاطفية، أخذت تركز على أعمق مشاعر الروح عندما توجد في المشعر الحرام الذي تسكب عنده العبرات، وترتفع في محيطه أنين الشهقات.

وقد ركز المؤلف على وصف المشاعر الوجدانية التي تعتمل في جوانح الحاج، فهي تجربة وجدانية، تكون فيها مشاعر الحاج مشحونة بالعواطف، والأحاسيس، حاول أن يصف قصوره، ومبلغ ما في نفسه من عواطف، بأسلوب أدبي رفيع قادر  على استخراج معاني الحج الإيمانية، ودوره التربوي، فحين وطئت قدماه أرض مدينة الرسول الكريم – عليه الصلاة والسلام - المدينة المنورة، فاضت عواطفه الدينية وأبرز حبه وشوقه إلى الرسول الكريم، يقول الكاتب وقد وصف لحظه وصوله إليها:

"وكانت اللحظة الأشد تأثراً لحظة أن اقتربنا والجموع الزاحفة من قبر الرسول عليه الصلاة والسلام وصاحبيه الكرام – أبو بكر وعمررضي الله عنهما، كل العواطف والأحاسيس تختلط في تلك اللحظة ولا تدري كيف تنحدر الدموع من عينيك .. كل من هم حولك يبكون.. البكاء واسم الرسول عليه الصلاة والسلام ، هما اللغة المشتركة بين كل أولئك الذين جاءوا ملبين من شتى بقاع الأرض، وما دون ذلك كلمات لا تكتمل، وقد شتتها النحيب المنبعث من حناجر مرتعشة.. متيبسة، تلهج بالدعاء، وطلب المغفرة "( ضفاف من نور، ص: 21).

وفي هذه الأماكن المقدسة يعلن الحجاج توبتهم مما اجترحوه من ذنوب، وما علق بهم من آثام، ففيها يجأر الحجاج بالدعاء، والتضرع  إلى الله، لعله يستجيب دعاءهم، وبكى؛ شعر بندمه وتقصيره في جنب الله.

فالرحلة الحجازية وسيلة للتطهير والتسامي، يقول المؤلف: ".. شريط من الذكريات تداعى في الذاكرة على نحو سريع جالبا معه كل ما اقترفت في دنياي من أشياء بعضها غث وبعضها سمين ، فبكيت .. بكيت رغماً عني.. بكيت دون رادع ، حتى حين ربت أبي على كتفي مواسيا أصبح البكاء نحيباً، وكلما علا النحيب تذوقت له طعماً آخر، ولا أبالغ إن قلتُ إنَّ له لذة تفوق الإحساس بالارتياح"( ضفاف من نور، ص: ).

وعند الطواف بالكعبة يشعر الحاج بدفق الأحاسيس، وسمو العاطفة الوجدانية في أثناء أداء مناسك الحج، والتواجد في أرض النسك البيئة العاطفية الخصبة في أثناء الحج، يقول الكاتب:

"دخلت باحة المسجد قاصداً الكعبة يطاردني هاجس من ينتظرونني عند الحافلة، خِيل إلي أن كل الحجاج واقفين في انتظاري، لكن حين أصبحت في صحن الكعبة غاب عني كل شيء أو غبت عنه، شيء واحد تملكني وهو أنني سأغادر هذا المكان الذي اعتدته طيلة أسبوعين، ولن أعود إليه إلا حين يريد الله ذلك، بكيتُ.. بكيتُ طيلة رحلة الطواف، وبكيتُ وأنا أغادر الصحن وحتى لحظة وصولي إلى زوجتي لم أتمالك نفسي، وبقيت صامتاً والدموع تنساب من عيني إلى أن وصلنا إلى الحافلة"( ضفاف من نور، ص:31).

     ففي لحظة وقوف الكاتب أمام الكعبة المشرفة تثار في نفسه أقوى العواطف الوجدانية، وأعمق مشاعر الروح، يقول المؤلف: "لحظة وقوفي أمام الكعبة المشرفة كانت من أعظم اللحظات، شيء بها جعلني أقف أمامها مبهوراً.. مشدودا أحدق فيها بجلال وإكبار وشيء شدني إلى اللحظات الأولى في تاريخها، فخلت المكان من حولها صحراء قاحلة لا صوت فيها إلا صفير الريح، وشيخ جليل يطوف حولها بخشوع وتذلل" ( ضفاف من نور، ص:31).

ب‌-   لمحات تاريخية:

ترتبط رحلة الحج بزيارة الأماكن المقدسة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأحداث التاريخ الإٍسلامي، وبالسيرة النبوية، وما جرى فيها من أحداث تاريخية.

فالأمكنة التاريخية في رحلة الديار المقدسة تمثل حلقة رئيسة في تشكيل جماليات المكان، وقد تمكن المؤلف أن يوظف تلك الأحداث والأمكنة، ويضفي عليها طابعاً زمنياً يرتبط بالسيرة النبوية.

       ومن الشواهد على الأحداث التي جرت في السيرة النبوية معركة أحد وما جرى فوق أرض المعركة من أحداث، يقول المؤلف :

"حين نزلنا عن الجبل ذهبنا للوقوف على المقبرة القريبة، التي تضم سبعين من شهداء أحد على رأسهم حمزة بن عبد المطلب - رضي اله عنه-، وقفنا على السور الخارجي، وقرأنا الفاتحة، فباغتتني صورة هند بنت عتبة، وهي تعد وحشياً، وتمنيه إذا ما أشفى غليلها، وقتل حمزة، ثم صورة حمزة وهو يصول ويجول في ميدان المعركة كأسدٍ كاسر، ووحشيٌ يتابعه من مكان إلى آخر يتربص به، ويتحين الفرص، إلى أن جاءت اللحظة المناسبة فرماه بالرمح، أغمضت عيني حينها، وانسحبت على عجل؛ لكيلا أرى المشهد، لكني لم أنجُ من آهة مكتومةٍ ظلت تلاحقني إلى أن غادرنا المكان"( ضفاف من نور، ص: 24).

   وفي موضع آخر من الرحلة يذكر تلك المعركة فيقول: "صورة خالد ابن الوليد - رضي الله عنه-  وهو يحاول الالتفاف على رماة الجبل مثلت أمامي وأنا أتابع من فوقه سير المعركة، كدت أصرخ في الرماة من حولي أن احذروا... "( ضفاف من نور، ص: 24).

ومن الأحداث التاريخية التي تُذكر في هذه الرحلة الوقوف على مقبرة البقيع، وأحداث جبل النور الذي كان يتعبد فيه الرسول الكريم قبل البعثة، وموقف أم المؤمنين خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها-  ، ويبين موقف السيدة هاجر - رضي الله عنها-، فيقول عنها، وهي تسعى بين الصفا والمروة:

 "رحت أقطع الأشواط تباعاً وفي مخيلتي صورة هاجر- رضي الله عنها-، وهي تجوب المكان بحثاً عن شربة ماء تطفئ بها ظمأ رضيعها المكتوي بنار الصحراء ووحشتها، وفي داخلي سؤال.. بل أسئلة عن سر القوة التي مكَّنتْ هذه المرأة الضعيفة من البقاء بمفردها في هذا المكان المقفر والموحش واحتمال التبعات كافة التي ترتبت على ذلك"( ضفاف من نور، ص:31).  

    ويقول في وصفه لجبل النور: "يوم أن كان هذا المكان مهجوراً إلا من رجل واحد كان يأتي إليه خلسة، بعيداً عن أعين الناس، يتلمس فيه الدفء والأمان دون أن تعنيه مشقة الطريق أو هذا العلو الشاهق والمخيف، سواء كان ذلك في حر الصيف أو برد الشتاء، يمضي فيه جلَّ وقته في مناجاة الخالق وتأمل مخلوقاته، في هذا المكان الطاهر كان الاتصال الأول بين خالق السماوات والأرض ورسوله وحبيبه محمد بن عبد الله - صلوات ربي وسلامه عليه-، في هذا المكان كانت بداية النور الذي أنزل للبشرية جمعاء، وكانت أول الهداية التي علمت الإنسان ما لم يعلم "( ضفاف من نور، ص:52).  

    ويصف موقف السيدة خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها- من الرسول، وهو يتعبد في غار حراء، يقول الكاتب:

 "لحظات قصيرة حشدت التاريخ أمام ناظري وفجرت بي بواعث رهبة وخشوع جعلتني أحلق في آفاق بعيدة ، حتى إنني رحت أتساءل بشيء من الإعجاب والدهشة، كيف كانت أمنا خديجة رضوان الله عليها تأتي إلى هذا المكان متحملة كل هذه المشقة والعناء من أجل إيصال الطعام للرسول الكريم أو الاطمئنان عليه، أي روح تلك التي كانت تتحلى بها وأي حب وإيمان يعمر قلبها ؟"( ضفاف من نور، ص:53).

 

ت‌-   لمحات اجتماعية:

يعد الحج منسكاً جماعياً، وركناً مهماً في التواصل، ومد جسور الأخوة بين الناس، فرحلة الحج تغرس في نفوس الحجاج حبَّ التعاون والتكاثف فيما بينهم، وأن يساعد بعضهم بعضاً، كلٌّ في دائرة ما يملك من القدرة إلى مَنْ لا يملكها منهم، فمجتمع الحجاج تسوده روح التعاون والمحبة والألفة، يقول المؤلف:

"كان المنظر مهيباً.. فلقد خرجت البلدة عن بكرة أبيها.. صغاراً وكباراً.. رجالاً ونساء.. شيوخاً وشباباً، حرارة اللحظة طغت على برودة الطقس، وأزاحت عن كاهل الناس حالة توتر لازمتهم منذ الصباح، مجيء الحافلات أججَّ المشاعر، وأبعد عن كاهل الناس خوفا ظل يطاردهم طيلة النهار. تحرك الموكب بعد ساعة من وصوله.. لوحت الأيادي مودعة، واحتبس الدمع في العيون، البعض أبى إلا أن يصاحبنا إلى غزة، لم تثنه التحذيرات من مغبة المبيت خارج البلدة إذا ما واصل اليهود حصارهم، أو يردعه الخوف من لحظة قد نباغت فيها بحاجز يجبرنا على التوقف ومن ثم يصبح عرضة للاعتقال"( ضفاف من نور، ص:3 ،4).

  رسم الكاتب في المقطع السابق لوحة مؤثرة للترابط الاجتماعي، ومشاركة الناس من أهل البلدة في وداع حجاج بيت الله الحرام،  بالرغم من الطبيعة القاسية من مطر ورياح، وهذه اللوحة والمشاهد تنم على روح المحبة، وتشوق الناس لأداء فريضة الحج.

ويصور المؤلف لوحات متنوعة أخرى تبرز تعاون الناس في الحج، إذ أخذ بعض أفراد المجتمع على عاتقهم مهمة استضافة الحجاج، وتقديم ما يمكن تقديمه للحجاج من طعام وشراب (ينظر" ضفاف من نور، ص: 5).

وهناك مشاهد أخرى تشير إلى تعاون الناس وتماسكهم وتعاطفهم في أثناء الرحلة، وذلك عند ركوب الحافلة، وفي أثناء الطواف، ورمي الحجرات، فالحج مناسبة لإظهار روح التعاون والتكاثف والتضحية في سبيل الآخرين.

ثانياً: السمات الفنية:

نوَّع الكاتب في استخدام الأساليب التعبيرية في نقل تجربته للمتلقين، منها الأسلوب السردي، والأسلوب الوصفي، والأسلوب الحواري  على النحو الآتي:

أ‌-       الأسلوب السردي:

  يعد السرد القصصي من أبرز خصائص الرحلة، إذ إن وجود السرد في الرحلة أمر طبيعي؛ لما يتخللها من حوادث ومواقف، تحث الكاتب على تسجيل الأحداث وصياغتها بأسلوب قصصي يعتمد على الإثارة والتشويق في كثير من الأحيان.

    والسرد يعني "نقل الحادثة من صورتها الواقعية إلـى صـورة لغوية" ([6])، وهو" الطريقة التي تحكى بها القصة”([7]).

       يرتبط السرد في الرحلة بترتيب الأحداث، سرد الرحلة في الغالب يكون سرداً تتابعياً (كرونولوجياً) من بداية الرحلة حتى عودة المؤلف إلى بلده، يقول المؤلف: في تمام الثانية عشرة جاء الإذن بالتوجه إلى نقطة (إيرز).. اصطفت الحافلات أمام المسجد .. تليت القوائم ليعرف كل حاج الحافلة التي سيستقلها.. صعدنا كل إلى مكانه تطاردنا لسعات الريح وبعض من رذاذ المطر المتساقط بلا توقف، استغرق الأمر بعض الوقت، ثم انطلقنا، اثنتا عشرة حافلة سارت تشق طريقها وسط مدينة غزة.. اتجهت شمالاً من نفس الطريق الذي سلكناه قبل خمس ساعات"( ضفاف من نور، ص: 6).

    ويلتقى القارئ في السرد لوناً من ألوان الاسترجاعاتِ الفنية التاريخية؛ لذكر حوادث التاريخ لا سيما حوادث السيرة النبوية ومشاهدها يقول السارد: "صعدت إلى أعلى الجبل والتاريخ يحاصرني، صهيل الخيل، وصليلُ السيوفِ يرِنُ في أذني، غابتْ عن ناظري صورُ الباعة والمصورين، وحتى من جاءوا برفقتي، وحلت محلهم صورُ الماضي بخيله ورجاله الذين انقسموا لواءين: أحدهما: في نصرة الحق، والآخر ينصر الباطل"( ضفاف من نور، ص: 24).

ويمثل السارد في الرحلة الحجازية مكوناً مهماً من مكونات السرد بعامة، فهو الأداة التي تنظم الخطاب السردي، وهو شخص واقعي من لحم ودم، يسرد الخطاب بضمير (الأنا) ضمير المتكلم الواضح في معظم الرحلة، وخطاب الرحلة هو خطاب السارد نفسه، وأحياناً يسرد بضمير الجماعة (نحن).

    فالرحالة ذاته هو من يسرد حكايته، وهو الذي يمسك بيده خيوط السرد من بداية الرحلة إلى نهايتها، فالسارد المركزي في هذه الرحلة هو الكاتب، يقول: "بعد انتهائي من الطواف توجهت للبدء في أداء مناسك السعي، لم يكن ساعتها المكان مكتظاً على النحو الذي لمسناه في الأيام التالية، لكنه لم يخلُ من زحام، رحتُ أقطع الأشواط تباعاً، وفي مخيلتي صورةُ هاجر وهي تجوب المكان بحثاً عن شربة ماء تطفئ بها ظمأ رضيعها المكتوي بنار الصحراء ووحشتها"( ضفاف من نور، ص: 31).

وقد جعل الكاتب من صوت السارد المتكلم بؤرة مركزية تطغى على ظهور الأصوات الأخرى وتصبغه بصبغتها.

    وأحياناً يسرد الكاتب الوقائع والأحداث بضمير الجمع (نحن) يقول: "قبيل الفجر بساعة تحركنا باتجاه المكان المعد لرمي الجمار، سرنا باتجاه النفق الأول فقابلتنا ريح تخلع القلوب، انكمشنا على ذواتنا بحثا عن دفء مكنون، فلم نجد غير ثياب الإحرام نشدها لتلتصق أكثر في أجسادنا، أسرعنا الخطى طلبا للدفء، وهرباً من محركات ضخمة مثبتة في أعلى النفق تعمل على تغيير الهواء، وتثير كل هذه العاصفة من الصقيع التي ظلت ترافقنا إلى حين خروجنا من النفق"( ضفاف من نور، ص: 42).

    وقد ورد ذلك في تكرار ضمير (نا) الدال على الفاعلين، وعلى غير الفاعلين في الكلمات والعبارات الآتية من مثل:(تحركنا، سرنا، فقابلتنا، انكمشنا على ذواتنا، نشدها، أجسادنا، أسرعنا، ترافقنا، خروجنا).

     إن مثل هذا التنويع بين ضميري المتكلم (الأنا)، وضمير الجمع (نحن) يسبغ على البناء الفني روحاً جديدة تجعل الخطاب الرحلي أقدر على التعبير عن تجربة الحج، وأقوى في التأثير في المتلقين، وشحذ هممهم، وشحنها بالطاقة الإيجابية.

ويلحظ القارئ أنه يغلب على أسلوب المؤلف في حالة السرد أسلوب البساطة والاسترسال إذ يتسم خطابه بالوضوح والسهولة والخلو من الغرابة والتعقيد.

    وقد استخدم أفعالاً ذات دلالة حركية؛ ليجعل من السرد نابضاً بالحيوية والحياة، يقول المؤلف: " في طريق عودتنا عرجنا على مسجد قباء صلينا الظهر فيه، ثم انطلقنا من جديد فتوقف الحافلة عند سوق للألبسة، نزلنا إليها"( ضفاف من نور، ص: 42).

ث‌-   الأسلوب الوصفي:

    يشكل الوصف عنصراً أساسياً من عناصر أدب الرحلة، فهو بمثابة خادم للعملية السردية، وهو يقوم بوصف المشاهد المتنوعة من أماكن وإنسان وحوادث وأشياء؛ بغية الكشف عن أبعادها الخارجية والداخلية الخفية، فللوصف أبعاد جمالية، إذ لا يقتصر على وصف الشكل الخارجي للأمكنة التي زارها وشاهدها فحسب، بل يتعمق في وصف ملامح شكلها الداخلي، يقول المؤلف واصفاً ما فعله المحتلون في الأماكن الفلسطينية التي احتلوها والمحاذية لطريق الحجاج، " قبيل الشروق بقليل تحركت الحافلات، كانت تزحف كأفعى مثقلة، لم نر أي معلم للطريق، حفر متناثرة في كل مكان، أكوام من الرمل والإسفلت بعضها كالجبال وأخرى كالتلال نبتت في المكان الذي نعرفه جميعاً وغاب عنا، حتى بدت مظاهر الصدمة والاستغراب علينا جميعاً وعبر عنها أحدهم بشكل ساخر، حين توجه إلينا بالسؤال قائلاً : متى وقع هذا الزلزال؟ لكنَّ الإجابة ظلت حبيسة الصدور الملتاعة بفداحة المشهد وقربه من أول احتكاك مباشر مع الخطر.. توجَّس البعض من معاملة مهينة، فالمكتوب يقرأ من عنوانه كما يقولون، والعنوان حروفه باتت واضحة للجميع، والبعض تخوف من الاعتقال، خصوصاً من هم دون سن الأربعين من بيننا "( ضفاف من نور، ص: 7).

  ولا يخفى أن المؤلف قد أحسن وصف الحدث والمكان والموقع والمعاهد المقدسة، وجاء وصفه وصفاً دقيقاً واقعياً حيَّاً في دقة متناهية، فضلاً عن كونه وصفاً تصويرياً استعان فيه بالصور الفنية التي تبعث الحياة وتجعلها نابضة بالحيوية والحركة.

     يحاول الكاتب في المشهد السابق أن يرسم ملامح تجربته الخاصة بوسائل التصوير والإيحاء؛ مستخدماً تقنية عين الكاميرا؛ ليجعلها أكثر قدرة على التأثير في المتلقين، ويجعلهم يشاركونه فيها؛ والصورة بهذا المعنى هي الوسيلة المثلى التي يعبر الأديب من خلالها عما يعتمل في نفسه من عواطف وأحاسيس.

 إن شكل الحافلات الخارجي، وهي تسير في طريق متعرج متثنٍ صعوداً مرة وهبوطاً، في هيئة مترابطة، المسافة بينها قريبة، وهي تتحرك وتهتز تشبه الحية في حركتها واعتزازها وسعيها وزحفها في بطء وتؤدة، وهذه الصورة الفنية مناسبة للجو العام الذي يسيطر على الرحلة، ويعكس مدى الخوف والقلق والتوجس الداخلي الذي يمور في قلوب الحجاج في أثناء الرحلة، وهي تلامس أعماقهم.  فالتشبيه عنصر بياني أكسب النص الرحلي روعة واستقامة وتقريب فهم.

 اهتم المؤلف بوصف كل ما تقع عليه عيناه في الأماكن المقدسة، فوصف العصافير في الحرم، الأمر الذي يثير اهتمام المتلقي وانتباهه، يقول في وصفه لعصافير الحرم المكي:

"على ذكر العصافير أود أن أشير إلى أني لم أقصد بها الحمام المكي المعروف للجميع، والذي لا يبرح الحرم على الإطلاق، وإنما قصدت بها عصافير رأيتها، وأثارت انتباهي على نحو لافت، إذ لم أجدها خارج إطار صحن الكعبة، كانت تحلق فوقه تماماً وتشدو بأنغام جميلة كأنما هي ترانيم صلاة أو أناشيد احتفاء بالقادمين من شتى البقاع، في البداية حسبتها أسراباً من ذلك الحمام الذي نعرفه، وحين دققت النظر فيها وجدتها شيئاً آخر، كانت صغيرة بحجم الكركز([8]) وعلى شكله، لكنَّها تختلف عنه بما يميز الواحد منها بما يكسوه من جمال وتعدد في الألوان، كانت تحوم حول الكعبة بفرح تستشعره في خفقاتها.. في أنغامها .. في الألفة التي تجعلها تحلق قريباً من رؤوس الناس، وكأنها توشك على تقبيلها"( ضفاف من نور، ص: 36).

حاول المؤلف أن يوظف المكان في وصفه، ويكسبه صفة قدسية تربطه بالتاريخ الإسلامي، وبأحداث السيرة النبوية، فهي جماليات المكان التاريخي وقوف الكاتب على مقابر الصحابة في (البقيع)، وقوفه على مقبرة شهداء (أحد) التي تمثل تاريخ الصحابة الكرام في الفداء والتضحية والوقوف على جبل النور، وهذه الأماكن جزء من تاريخ الإسلام، إنه يصف أماكن تفيض بروحانيتها أشكالاً وألواناً، أماكن فيها جمالية العبرة والعظة. يقول عن مقبرة البقيع: "عند نهاية الممر يصادفنا الباب المطل على الساحة المشرفة على مقبرة البقيع، حيث دفن العديد من الصحابة الأطهار -رضوان الله عليهم-، ينتابني إحساس بالرهبة، وأنا أجول ببصري في المكان، خلتهم قد بعثوا من جديد، وراحوا ينظرون إلينا، شعرت وكأننا عراة أمامهم"(ضفاف من نور، ص: 36)، وهكذا أكسب الوصف النص حيوية أثيرة، وفاعلية مؤثرة.

لا يشعر القارئ في هذه الرحلة بطغيان الصيغة الوصفية على الصيغة السردية، وإنما هناك تداخل وتزاوج بين الصيغتين، بحيث يستعمل الوصف بطريقة تجعله خادماً للعملية السردية ومؤازراً لها. و يتداخل السرد على مستوى الخطاب الرحلي بالوصف، وتمتزج الفقرات السردية التي يتم من خلالها حكي الأحداث مع الفقرات الوصفية التي تقدم وصفاً للأمكنة والمناظر الطبيعية والناس والأشياء.

ويقف الوصف إلى جانب السرد في تشكيل المتن الأدبي، ويؤدي الوصف وظيفة جمالية ونفسية، غايتها وهدفها نقل المعرفة وإمتاع المتلقي.

      ويمكن القول: إن صاحب الرحلة اعتمد على السرد والوصف معا في مضمون رحلته، فإذا كان "السرد يشكل أداة الحركة الزمنية في الحكي، فإن الوصف هو أداة تشكل صورة المكان"([9]).

    ويقرن وصف الأماكن بأهم الأحداث التاريخية التي مرت بها، فالمكان نافذة يطل من خلالها الكاتب على التاريخ، يقول المؤلف: " فهذه الجبال من حولك تقف شاهدة على حقب التاريخ المتتالية بنفس الشموخ والإباء الذي كانت عليه منذ الأزل وهذا الجبل الصغير بحجمه العظيم بتاريخه واسمه يقف في مقابلها بكبرياء تحسده عليه وتغبطه وهذه البقعة الطاهرة بما حوت من أجساد طاهرة مطهرة لشهداء سطروا بدمائهم حروفا من نور في تاريخ الإسلام العظيم ، هذه البساتين المحيطة بالمكان وأشجار النخيل التي تحفه من كل صوب تضفي على أريجه شذا قد لا تجده في مكان آخر "( ضفاف من نور، ص: 23).

ولم يكن الكاتب يكتفي برصد الأمكنة وتصوير الأحداث داخل المكان، فحسب؛ وإنما كان يشارك في صنعها كطرف رئيس فيها، ويحدد وجهة نظره ورؤيته؛ لكونه مؤلف النص؛ لذلك برز ضمير المتكلم، فأدى إلى نزوع السرد في الرحلة نحو السيرة الذاتية. حيث برز السارد جزءاً من الشخصيات الموجودة في الرحلة، متفاعلاً معها، ومشاركتها فرحتها ومعاناتهم.

وقد يتقاطع وصف المؤلف للمكان مع النصوص الدينية، إذ يستدعي المكان نصاً قرآنياً يتحدث عن مكة المكرمة، يقول المؤلف:" كانت الطريق سلسة سهلة، تنحدر بنا بشكل سحري وكأن الحافلة تسير من ذاتها فيما يشبه الأخدود بين سلسلة من الجبال الصماء والصخور الداكنة الملساء حيث لا أثر فيها لغرس أو زرع ، بل أن العشب لا وجود له بين شقوقها، فتذكرت قوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم حين أودع زوجته في هذه البقعة المباركة )رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أفئدة مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ( ([10]) ( ضفاف من نور، ص:57). "      

وفي موضع آخر يتناص الكاتب مع نص قرآني، فيقول: "عندها اندفع نحونا حشد من الصبية كالجراد المبثوث، غبر .. شعث أحاطوا بنا من كل جانب"  ( ضفاف من نور، ص:64).

يحيل النص السابق إلى النص القرآني الذي يقول في المولى- عز وجل - : )يوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ( ([11]).

ويلمس القارئ أن هناك إلماحة إلى نص في الحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم – " رُبَّ أَشْعَثَ أغبرَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أَقسم على الله لَأَبَرَّهُ "([12]) .

    وربما تقاطع مع المثل العامي الذي يقول : "والذي زاد الأمر تأزماً، ما بدر عن بعض الموظفين في المعبر من تبريرات انطبق عليها المثل العامي(أجى يكحلها عورها)"،([13])( ضفاف من نور، ص:12).

     ويضرب هذا المثل للتعبير على فلاناً من الناس أراد أن يصلح الحال، ويحل الموضوع أو المشكلة، لكنه بدلاً من ذلك أفسد ما جاء من أجله، بل زاده سوءاً، وثمة معنى آخر هو ذلك الشخص الذي يخطئ في إصلاح شيء ما بغير قصد.

   ويتقاطع النص الرحلي مع مثل شعبي آخر في قول الكاتب: "فالمكتوب يقرأ من عنوانه كما يقولون"

( ضفاف من نور، ص: 7). ويضرب هذا المثل في الأمور التي تعرف خوافيها من ظواهرها؛ لتوضيح أن في عنوان الكتاب ما يدل على ما فيه من خير وشر.

    إن نظرة متأنية إلى توظيف الكاتب للنصوص الخارجية في نصه الداخلي من قرآن كريم، وأحاديث نبوية شريفة، وأمثال شعبية تهدي إلى القول بأنها تشي بثقافة الأديب الإسلامية، وأنها جاءت متناسبة مع الجو العام للرحلة، وجاءت - في الوقت ذاته -متماهية مع الحالة النفسية التي كانت تهيمن على الكاتب؛ الأمر الذي قادرة على تحقيق إمتاع القارئين وإثارتهم.

حاول الكاتب أن يركز في وصفه على أماكن جغرافية تحمل دلالات وأبعاداً دينية وتاريخية، وكان يستعين بتقنية الوصف من أجل تقريب الصورة إلى ذهن المتلقي، وفي وصفه لتلك الأماكن التراثية المقدسة، كان يرمي إلى أن يجعل تلك الأمكنة من أكثر الأمور التي تشد انتباه المتلقي واهتمامه.

ج‌-              الأسلوب الحواري:

يعد الحوار إحدى الصيغ التعبيرية التي يستعين بها الكاتب في صياغة أدبه، وهو عنصر من أهم عناصر النثر الأدبي الرفيع.

وفي أدب الرحلات يختار الكاتب الحوار وسيلة للتفاهم بين الناس، ويمكن الإفادة منه في إثراء اللغة القصصية والتغلب على عيوب السرد.

ويلحظ المتلقي أن الحوار في هذه الرحلة لم يشغل حيزاً واسعاً، إذ إنه يشكل حيزاً أقل مما يشغله السرد والوصف. وكان الحوار الخارجي هو المهيمن على الرحلة، ولم يتوافر فيه لون من ألوان الحوار الداخلي؛ ذلك أن رؤية الأماكن المقدسة لما لها من قدرة على إثارة العواطف والأحاسيس يُعبر عنها تعبيراً مباشراً، ولا تحتاج للبوح والكتمان.

وقد تراوحت لغة الحوار بين الحوار باللغة الفصيحة واللغة العامية المحكية، اعتقاداً من المؤلف أن اللغة العامية أكثر واقعية وصدقاً في التعبير عن مستوى الشخصيات وثقافتها، بوصفها لغة الحياة اليومية، يقول المؤلف في حوار بين الحجاج وأحد المسئولين عن الرحلة يعبر فيه عن مشاعر الحجاج الغاضبة بسبب فصل الزوج عن الزوجة وجعل كلَّ واحدٍ في طائرة. وقد جاء الحوار في هذا المقطع، ليؤكد موقف بعض الحجاج واعتقادهم في هذا العمل، يقول الكاتب:

صاح أحد الموظفين محذراً:

- اللي مش راح يطلع ع الطيارة راح يظل مرمي في الصالة حتى آخر رحلة.

-  مش طالعين ما دام نسوانا مش معنا، هذه غلطتكم، وانتم تتحملوا مسؤوليتها .

- يا عمي نسوانكم مش راح يضيعن، أنتم توكلوا على الله وهن راح يلحقنكم في الطيارة الثانية .
-
أي ثانية وثالثة.. هذه مسخرة وكلام فاضي.

- ما هو كمان يا جماعة مش ممكن تقلع الطيارة بنصف حمولتها.

 - هذا مش شغلنا.. هاتوا نسوانا وحلوا المشكلة.

 - يا جماعة خليكم عُقَّال، نسوانكم ما راح يشردن، متى خلصت الإجراءات انتهى الأمر .
-
أي إجراءات وأي بطيخ.. جيناكم مثل خلق الله، كل واحد وزوجته، شوي خليتم كل واحد في دنيا.. مش طالعين يعني مش طالعين.

- وأنا ب أقول راح تطلعوا غصب عنكم "( ضفاف من نور، ص: 15).

   ويغلب على الحوار مجيئه بسيطاً، يجري بين شخصين، وغالباً ما يجيء في جمل قصيرة مقتضباً، يميل إلى الإيجاز والاختصار.

ويشبه الحوار باللغة العامية الكلام اليومي العادي، ويتكون من جمل موجزة، لا يعتمد على البرهنة، ولا يتضمن أسلوب الحجاج، ويتكون من أسئلة وأجوبة مألوفة. ويعرض الكاتب لحوار جرى بينه وبين أبيه: بدأ الحوار بقوله:

- شو الدعوة!!.. كلُّ هذا نوم؟

 - كم الساعة؟

- ستة ونص.

- جهِّز حالك لنصلي العشاء.

- أنا جاهز، لكن اعمل جهدك لندخل روضة الرسول - صلى الله عليه وسلم- الليلة.

-  ضروري ندخلها الليلة، لأنا الفجر نازلين مكة( ضفاف من نور، ص: 25).

     ويستعمل الكاتب الأسلوب الحواري؛ ليعبر عن معاني السخرية والتهكم من الواقع الأليم الذي عاناه الحجاج من طول الانتظار في الحافلات أمام الحواجز العسكرية الصهيونية، يقول المؤلف ناقلاً حواراً جرى بين اثنين من الحجاج:

طال الوقوف بنا، قال أحدهم متهكما:

-       الأولاد فكرونا ها لحين في السعودية بنشتري لهم هدايا .. مش عارفين إنا قاعدين جنبهم.

فرد أخر بنفس الطريقة:

-       كان رحنا ع أمريكا ورجعنا في هالمدة "( ضفاف من نور، ص: 6).

وفي مقطع حواري قصير متدفق، فيه اختزال، وعمق دلالة، جاء الحوار متداخلاً مع السرد ،يسأل الكاتب سائق الحافلة عن جمْعٍ من الناس كانت تتسلق جبل النور بمكة المكرمة باتجاه القمة:

-     شو طالعين يعملوا ع الجبل؟

-     يزوروا غار حراء.

رد السائق المقتضب، أفسح لي فرصة للتأمل فيما أرى وأشاهد ، كان الأمر خطيرا بشكل لا يُستهان به، ومع ذلك كان سيلُ الناس لا ينقطع، لدرجة كدتُ معها أن أوقف السائق، وألحق بالناس إلى حيث يمضون"( ضفاف من نور، ص:52).

يتداخل في هذا المقطع السرد مع الحوار في رسم مشاعر الكاتب بطريقة أثارت المشاركة الوجدانية للمتلقين وهزت مشاعرهم، ومنحت المقطع حيوية وحياة ثرية.

وصفوة القول فقد تبين أن أدب الرحلة الحجازية هو شكل نثري مميز، له بناؤه الفني وسماته المستقلة، وقد مثلت المضامين الدينية والاجتماعية والتاريخية الرؤيةَ الإيمانية والمشاعرَ الوجدانية لدى الحاج في زيارته للمعاهد المقدسة.

وقد جنح الكاتب في التعبير عن هذه التجربة الروحية الأساليبَ السهلة البسيطة المشوقة التي تجتذب المتلقي، وتأسر قلبه ووجدانه، وقد اكتسبت رحلة الكاتب الأديب (محمد نصار) إلى الديار الحجازية المقدسة صفةَ الأدبية والإسلامية في آنٍ معاً، فهي ذات طابع فريد ومميز في الأدب الإسلامي بعامة.



[1] )  محمد حسن نصار، كاتب روائي فلسطيني من مواليد مدينة "بيت حانون" شمال قطاع غـزة سنة 1960 ،تلقي تعليمه الأولي في مدارسها، ثم تخرج في قسم اللغة العربية، وهو عـضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين، وله عدد من الأعمال الروائية المنشورة منها رحلة العذاب 1987، وصرخات 1994 ، وأحلام1999 ، وتجليات الروح 2003 ، صفحات مـن سيرة المبروكة (ثلاثية) 2005 ،2006 ،سوق الدير 2007م ، والمخيم، وله فـي مجـال القـصة القصيرة مجموعات قصصية منها: القيد 1990 ، وفي صحبة الـشيطان 1997 ، والعـشاء الأخير 2002، وأخيراً صدر له كتاب فيما يشبه النقد (2021 ).

[2] (الرحلة في الأدب العربي : التجنس ، آليات الكتابة ، خطاب المتخيل ، شعيب حليفي ، سلسلة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة،٢٠٠٢ ، ص٤٠ .

[3] ) بيت حانون: قرية زراعية، تقع في الشمال الشرقي من مدينة غزة، تشتهر بزراعة البرتقال وأشجار العنب والتين والتفاح والخوخ ، وهي تشتمل على آثار إسلامية منها "جامع النصر" الذي يعود إنشاؤه إلي سنة 637 هـ الدباغ، مصطفى، بلادنا فلسطين،(كفر قرع: دار الهدى، 1991 )، ج 1، ق 1 ، ص: 281 -282.

[4] ) هو أبو الوليد ابن رشد، فيلسوف وفقيه وطبيب أندلسي، ينظر : بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، لناشر: دار الحديث - القاهرة ، تاريخ النشر: 2004 م عدد الأجزاء: 4، باب الجهاد 1 / 266.

[5] ) هو أحد الحواجز العسكرية الصهيونية الذي يقع في منتصف القطاع، ويطلق عليه "حاجز العذاب"، وقد يضطر الراكب للمبيت عنده، لكنه يظل –أحياناً- مغلقاٌ لمدة ليلتين أو أكثر، يذوق فيه المسافرون أصنافاً من المعاناة والآلام والاعتقالات.

[6] )عز الدين إسماعيل. الأدب وفنونه، ط6، القاهـرة، دار الفكر العربي، 1976م، ص187.

([7]  حميـد لحمداني. بنية النص السردي، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1991م، ص45.

 

[8] ) نوع من أنواع الطيور المهاجرة إلى البيئة الفلسطينية،  وتسمى الذعرة البيضاء (الكركزان أو القوقزان)،ينظر مقال: 530  نوعاً من الطيور المقيمة والمهاجرة في فلسطين، https://www.wattan.net/ar/news/168867.html

 

[9] ) حميد، لحميداني: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط١، ١٩٩١ ، ص ٨٠.      

 

[10]  ) سورة  إبراهيم:  37.

 [11]  ) سورة القارعة: 4

[12] ) صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج ، كتاب البر والصلة ، باب فضل الضعفاء والخاملين ، رقم ( 2622 ) .، دار المغني للنشر والتوزيع، السعودية، طبعة أولى، 1998 ،

 

[13] )


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.